العنوان
تواجه ليبيا تحديًا اقتصاديًا يتمثل في توفير التمويل اللازم لتنويع اقتصادها وتقليل اعتماده على النفط، إذ تُقدّر احتياجاتها السنوية لتحقيق أهداف التحول الهيكلي بحلول عام 2030 بنحو 39.3 مليار دولار، مقابل فجوة تمويلية تصل إلى 37.2 مليار دولار سنويًا، وفقًا لتقرير التركيز القطري لعام 2026 الصادر عن مجموعة البنك الأفريقي للتنمية.
ويشير التقرير، الذي يحمل عنوان “تعبئة تمويل التنمية في ليبيا على نطاق واسع في عالم مجزأ”، إلى أن تجاوز هذه الفجوة يتطلب تحسين إدارة المالية العامة، وتوسيع فرص حصول الشركات على التمويل، وتنويع مصادر تمويل المشروعات التنموية، بما يساعد على تحويل الموارد المالية المتاحة إلى استثمارات منتجة وفرص عمل.
وتتركز الاحتياجات التمويلية التي رصدها التقرير في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتعليم والإنتاجية، مع استحواذ البنية التحتية على النصيب الأكبر منها، الأمر الذي يبرز أهمية تحديد أولويات الإنفاق والاستثمار وربطها بالمشروعات القادرة على دعم النشاط الاقتصادي على المدى الطويل.
نمو اقتصادي مرهون بالنفط
ووفقًا لتقديرات البنك الأفريقي للتنمية، سجل الاقتصاد الليبي نموًا بنسبة 12.4% خلال عام 2025، بعد انكماش بلغ 0.4% في عام 2024، مدفوعًا بالتعافي في إنتاج النفط.
ويتوقع التقرير أن يبلغ النمو الاقتصادي 6.5% في عام 2026، ثم يتراجع إلى 4.3% في عام 2027، مع استمرار الاعتماد بصورة أساسية على زيادة الإنتاج النفطي، في ظل ارتباط هذه التوقعات باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية وأسواق النفط العالمية.
وتكشف هذه التقديرات عن استمرار ارتباط أداء الاقتصاد الليبي بتطورات القطاع النفطي، إذ يمثل النفط نحو 97% من صادرات البلاد، و90% من الإيرادات الحكومية، و60% من النشاط الاقتصادي، بحسب التقرير.
ويجعل هذا التركيز الاقتصاد عرضة لتقلبات أسعار النفط واضطرابات الإنتاج، في حين تحد محدودية تطور القطاعات غير النفطية من قدرة الاقتصاد على توفير مصادر بديلة للنمو وفرص العمل.
إصلاح المالية العامة وتوسيع مصادر التمويل
ويدعو التقرير إلى البناء على اتفاق الميزانية الوطنية الموحدة الذي تم التوصل إليه في أبريل 2026، بعد أكثر من عقد من تشتت الميزانيات، مع تعزيز الشفافية في البيانات الاقتصادية وتطوير التنسيق بين المؤسسات المالية.
كما يوصي، على المديين المتوسط والطويل، بتطوير الأنظمة الرقمية وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين إدارة الإنفاق العام، بما يدعم كفاءة استخدام الموارد ويعزز القدرة على تمويل الأولويات التنموية.
وفي سياق البحث عن مصادر تمويل إضافية، يسلط التقرير الضوء على إمكانية الاستفادة من التدفقات المالية للمغتربين، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، خصوصًا في مشروعات البنية التحتية القادرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية.
ويربط التقرير نجاح هذه المسارات بتعزيز الأطر القانونية، وتوفير سياسات اقتصادية مستقرة وقابلة للتوقع، وتحسين إعداد المشروعات وتحديد أولوياتها، بما يساعد على توجيه مصادر التمويل نحو احتياجات التنمية الفعلية.
القطاع المالي.. مدخل لدعم الاستثمار
وفي القطاع المالي، يشير التقرير إلى التقدم المحرز في مجال المدفوعات الإلكترونية، والجهود المبذولة لمعالجة نقص العملة، إلى جانب إطلاق الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي للفترة 2025-2029.
وفي المقابل، يدعو إلى مواصلة الإصلاحات التي تتيح للشركات والفئات الأقل حصولًا على الخدمات المالية الوصول إلى التمويل، من خلال تعزيز الرقابة المصرفية، وتوسيع الخدمات المالية الرقمية، وتطوير أسواق رأس المال.
ويؤكد التقرير أن تنويع الاقتصاد الليبي لا يرتبط فقط بتوفير الأموال اللازمة للمشروعات، بل يتطلب أيضًا تهيئة بيئة مؤسسية ومالية قادرة على توجيه الموارد إلى الاستثمار والإنتاج، وتمكين الشركات من التوسع، وتوفير فرص العمل.
