العنوان
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه.
أيها السادة الحضور والضيوف الكرام انه لمن دواعي العزة والفخر أن نحتفل اليوم، بالذكرى العشرية الأولى لمعركة الوطن الكبرى معركة الكرامة الخالدة، التي دحرنا فيها الإرهاب والتطرف، وانتصرنا فيها انتصاراً ساحقاً على أعداء الله والانسان أعداء الحياة وأنصار الموت، وتحررت بانتصارها مدننا العزيزة من قبضته ووحشيته وطغيانه، وأستعاد معها المواطن الليبي كرامته فعادتِ الحياة مشرقة، تُبشِّرُ بمستقبل مزدهر، واستتبَّ الامنُ ، وبزغَ نور الحرية والأمان، وفتح المستقبل أبوابه للعمل والأمل، وتنفست ليبيا الصعداء، بعد أن كاد الإرهاب يحول سهولها ووديانها الى أنهر من دماء الأبرياء. الإرهاب الذي ليس في أجندته الا الذبح وقطع الرؤوس، وليس في عقله الفاسد وقلبه المريض ، الا تكفير البشر وإذلالهم، وقتلهم بدم بارد ظناً منه أنَّ التوحش سيُخضِعُ الليبيين، ويُجبرهم على الخنوع والركوع له.
ولم يكن في حسبان الإرهاب، أن إرادتنا التي لا تقهر، ستزلزل الارض تحت أقدامه في يوم الكرامة المجيد، ولم يكن في مخيلته أننا كنا نتربص به، حين زها بجرائمه، وأخذته العزة بالإثم، وظن أن ليبيا قد سجدت له حتى جاءت ساعة التحدي والمواجهة، لتنتهي بالنصر المبين والتحرير الكامل غير المنقوص، بعد سنوات من الجهاد والكفاح المسلح. وإن في ذلك لعبرة لكل من استهان بالليبيين وبجيشهم البطل، ورأى في صبرهم ضعفاً وهواناً ، واستهزأ بقدرتهم على التغيير، وهزيمة الباطل ولو بعد حين.
أيها السادة الكرام
أهنئ باسمي وباسم جميع المنتسبين للقوات المسلحة، الشعب الليبي بالذكرى العاشرة لمعركة الكرامة، التي استحقت بجدارة أن نطلق عليها ثورة الكرامة، لما حققته من انعطاف حاد في تاريخ ليبيا المعاصر، نحو الحرية والانعتاق من ظلم الإرهاب وبطشه.
ولنا أن نتصور حالنا خلال العشر سنوات الماضية، وحالنا اليوم وغداً، دون أن نكون قد خُضنا معركة الكرامة ضد الإرهاب، وتركنا الوطن مسرحاً ومرتعاً له، بل أن نتصور حال دول الجوار والإقليم، إن لم نقل العالم بأسره، الذي حاربنا الإرهاب نيابةً عنه.
لا بدَّ أنَّ المشهد سيكون مرعباً، لا نرى فيه إلا الأشلاء والدماء، ولا نسمع فيه إلا البكاء والنواح، ولا نشمُّ فيه إلا رائحة الموت، ولا يحيا فيه الإنسان إلا حياة الذل والمهانة فتحية لأبطال الكرامة وشهدائها وجرحاها، تحية وفاء لكل من نال شرف المشاركة في معاركها، أو أسهم في دعمها ووقف الى جانها.
ولن ينسى جيل اليوم وأجيال المستقبل تضحياتكم، ولن تسقط من ذاكرة التاريخ، أنكم أعدتُم إلى ليبيا الحياة، في فجر يوم الكرامة، مع أول وابل من الرصاص، أطلقتها بنادقكم صوبَ الإرهاب.
وتحيةً لكل المساهمين والمشاركين في هذا العرض العسكري الرمزي لقواتنا المسلحة، الذي يشاهده الليبيون بكل فخر واعتزاز ليطمئنوا بأن قواتهم المسلحة، قد بلغت مستوى رفيعاً من الجاهزية والاستعداد ومن التنظيم والانضباط. وبأننا كنا طيلة السنوات الماضية نسابق الزمن، ونعملُ في ليله ونهاره، ليكونَ الجيش الوطني الليبي، على أهبة الاستعداد، للدفاع عن الوطن ومقدراته. وليس هذا فحسب، بل إن ما تحقق في كل المدن والقرى، من أمن واستقرار في زمن قياسي، وظروف قاسية، في المناطقِ والمساحات الشاسعة التي بلغها ضباطنا وجنودنا في غالبية البلاد، وفي كل الاتجاهات، يُثلج صدور الليبيين، ويثبتُ لهم أن تضحياتِ أبنائهم من أبطال الكرامة لم تذهب سدى.
أيها السادة الكرام
لا يخفى على أحد، أنه رغم ما تحقق من إنجازات كبرى على الصعيد العسكري والأمني، وفي مجالات التنمية والبناء، ظل المسار السياسي يراوح مكانه ان لم نقل يتراجع الى الوراء. اجتماعات تليها اجتماعات، وفود تذهب وأخرى تجيء، وبيانات صاخبة تليها بيانات أشدُّ صخباً، ومخرجات محشوة بالأكاذيب والوعود الفارغة، التي لا تُسمن ولا تغني من جوع. ولا يراودنا أدنى شك، بأنه منهج مخطط له بعناية فائقة، ليبقى الحال على ما هو عليه، ويمضي الوقتُ الثمين دون احراز أي تقدم.
ونرى أننا قد منحنا هذا المسار من الفرص أكثر مما ينبغي، ليصل إلى هدفه بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، الكلمة الفصل فيها للشعب.
لكن المهرجين والمتطرفين من أعداء الحرية والديمقراطية، الذين يحلمون بتنصيب أنفسهم أوصياء على الشعب، قد أقسموا أغلظ الأيمان، أنه لن يترشح المشير إلا على جثثهم، ليُعبّروا بذلك عن مستوى الانحطاط الأخلاقي، والفجور السياسي الذي أوصلهم اليه الشعور بالنقص، ليُعبّروا عن الاعترافِ بالفشل، وبالرفض الشعبي لهم وعن الهواجس المرعبة التي
تسيطر على أذهانهم بأن تبقى صناديقهم فارغة، في مواجهة الوطنيين الوحدويين الأحرار، وتيارهم الجارف، الذي يحظى بدعم شعبي منقطع النظير، يُعبّرون عن كفرهم بالديمقراطية، وبمبدأ التداول السلمي على السلطة، لأن الديمقراطية سترمي بهم خارج دائرة التاريخ المشرف، التي لا يدخل في نطاقها إلا المناضل الوطني الحر الشريف. وحجتهم في ذلك أننا عسكريون.
نعم نحن عسكريون، وأيُّ فخر وهل العسكري إلا رمز للشجاعة والإقدام، والتضحية والفداء بأغلى ما لديه، من أجل وطنه وشعبه؟ وهل لأيّ وطن سيادة وهيبة لولا عسكريوه؟ هل للوطن حصن يحميه إذا غاب العسكريون؟ وهل كان لهذا القدر من الأمن والاستقرار أن يتحقق في كل هذه المدن والمناطق والمساحات الشاسعة، لولا وجود العسكريين من قواتنا المسلحة فيها؟ وهل كان لهذه النهضة الشاملة، التي نشهدها اليوم في البناء والإعمار إن تشهد النور، لولا أنها في حماية العسكريين والأجهزة الأمنية؟ وقبل كل ذلك.. هل كان للإرهاب أن يندحر وينهزم لولا ضباطنا وجنودنا العسكريون، والقوى المساندة لهم؟ من يحمي الحدود ويردُّ العدوان؟ ومن يبعثُ الشعور بالأمن والأمان في نفوس المواطنين إذا غاب العسكريون؟ إنهم لا يرفضون العسكري دفاعاً عن الديمقراطية والدولة المدنية، لكنهم يخشون فيه القوة والهيبة والشجاعة والانضباط، والتمسك بالمبادئ الوطنية الراسخة ورفض المساومة على مصير الوطن.
إنهم يمقتون فيه محبته لوطنه واخلاصه لشعبه، لقد كانت معارك الكرامة الدرس القاسي الذي علمهم من هو العسكري، فصار الهاجس المرعب الذي يقضُّ مضاجعهم، وترتجف منه أبدانهم.
نعم نحن عسكريون في ميادين القتال في الأرضِ والجو والبحر على حدٍ سواء، وفي معسكر اتنا ومراكز التدريب وغرف العمليات ولا نهاب الموت، لكننا مدنيون حتى النخاع في مجالات البناء والإعمار، وفي خدمة المواطن وتوفير متطلباته ليعيش كريما.
والواقع هو الذي يشهد بذلك. ومثلما كشفت لهم الكرامة هويتنا العسكرية اليوم تكشف لهم مشاريع الإعمار والتنمية في كافة ميادينها، وعلى أوسع نطاق، كم نحن مدنيون. إننا مدنيون بدعمنا اللامحدود للحكومة الدستورية الشرعية ومؤسساتها، ومساندتها بكل ما نملك، لتسهيل مهامها كي ترقى بمستوى أدائها الى أعلى المراتب، لا لشيء إلا لخدمة المواطن ورفع المعاناة عنه. ونحيها على مجهوداتها واخلاصها في عملها.
ونحن مدنيون بإيماننا بالديمقراطية، والتبادل السلمي على السلطة، ولم نعترض يوماً على مواطن ليبي، يرى في نفسه الكفاءةَ أن يكون مترشحاً للرئاسة أو لغيرها. ومدنيون بدعمنا لكلِ المبادرات التي عمادها اجراء انتخابات نزيهة وشفافة، وبإيماننا بأنَّ القرار للشعب، والصندوق هو الحكم بين المترشحين.
ولم نخض المعارك ضدَّ الإرهاب والتطرف، ولم نقدّم التضحيات الجسام، الا لتكونَ ليبيا دولةً حرة مدنية ديمقراطية، بكل ما في هذه المفردات من معانٍ سامية. وتكشفُ لهم مواقفنا السياسية بالفعل قبل القول، كم نحن ديمقراطيون، وكم نحن مدنيون، لا نؤمنُ إلا بإرادة الشعب هو السيد فوق ارضه، ولا نسمح لأحد ان يُنصَبَ نفسَه وصياً عليه. وفي المقابل .. تكشفُ مواقفهم وأفعالهم ومؤامراتُهم، كم هم فاشلون وعاجزون.. وكم هم مهرجون وحاقدون، وكم هم متطرفون وإرهابيون.
كيف لنا أن نتقدم خطوةً واحدة، لبلوغ تسوية سياسية عادلة مع هؤلاء، أو نحو شراكة من أيّ نوعٍ معهم. ماذا قدموا لليبيين عدا إهدار أموال الشعب ونهيها وعرقلة المسيرة نحو بناء الدولة؟ ماذا قدموا أكثر من الاستسلام والانبطاح المخزي أمام الأجنبي، والتفريط السيادة الوطنية؟ أيُّ حاضر وأي مستقبل ينتظره الليبيون من زُمر التطرف والتخلف والفشل التي ليس لها ما يميزها الا التفوقُ في أساليب السرقة والنهب والتهريج والتدليس، والضحك على الذقون بخطابات فارغة من كل مضمون.
أيها السادة الكرام
لقد منحنا من الفرص أكثر مما ينبغي أملاً في أن يتطور المشهد السياسي سلمياً بالتفاهم والتوافق والتراضي، بما يحقق المصلحة العليا للبلاد، وبما يحفظ وحدتها وتماسك أركانها، وقد طلبنا من كل القوى الوطنية، الحريصة على مصلحة البلاد، المتحفزة للتغيير الجذري، أن تحذو حذونا، وأن يتحلوا بالحلم والصبر، ويمنحوا المسار السياسي وقتاً اضافياً، عَل ذلك يدفع مسيرة بناء الدولة الى الأمام، ونحيهم على صبرهم وتجاوبهم معنا، لكننا اليوم، ندعوهم من جديد، للعمل الجاد في وضح النهار، لتَصَدُّرِ المشهد، والإجماع على رؤية وطنية جامعة تضمن أولاً وأخيراً، وحدة البلاد، وبناء الدولة، والعيش الكريم لكل الليبيين تحت راية الحرية والديمقراطية والمدنية، وفي حماية ودعم قواتكم المسلحة.
وختاماً.. لا يراودنا أدنى شك، بأنه رغم التحديات والعراقيل المصطنعة، سنشقُ الطريق معاً حتى النهاية، شعباً وجيشاً يداً بيد نحو بناء الدولة التي يتطلع إليها الليبيون، وسيبقى الشعب الليبي أقوى من كل الفتن متآخياً متصالحاً من تلقاء ذاته، وفي غنى عن أي تدخل من أي طرف يدّعي المصالحة بين أبنائه، ومن يُشكك في ذلك، تردُّ عليه هبَّةُ الليبيين عَقِبَ إعصار دانيال المدمر، ومؤازرتُهم لإخوانهم في المناطق المنكوبة لا يراودنا أدنى شك، بأنه رغم كل التحديات، عاشت ليبيا دولةً واحدةً ديمقراطية مدنية، حرة أبية، بجيشها البطل، وبشعها الرافض للركوعِ لغيرِ الله، وبصمودها ضد المتآمرين على حاضرها ومستقبلها. وسنواصل بعون الله المسيرة، وتكمل المشوار حتى النهاية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
