مقالات رأي

قضية الإرهاب الدولي والتطرف الديني في المنطقة المتوسطية

بقلم: د. يوسف الفارسي – متخصص في شؤون الأمن القومي والإقليمي في منطقة غرب المتوسط

 

يمثل الإرهاب الدولي نمطا من أنماط الإرهاب الجديد الذي ينتمي إلى الجيل الثالث في تطور الظاهرة الإرهابية والتي كانت في البداية مع ما عرفته أوروبا أواخر القرن التاسع عشر في شكل موجات عنف ذات طابع قومي متطرف تم أجتاح أوروبا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية بدرجات متفاوتة خلال السبعينيات والثمانينيات الماضية كنمط ثاني في تطور الظاهرة الإرهابية أما النمط الثالث فقد ظهر في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

صنف الاتحاد الأوروبي ظاهرة الإرهاب في خانة التحديات الامنية الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة وشكل انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان منعرجا في انتشار واستفحال ظاهرة الإرهاب فمع عودة أفواج المتطوعين إلى بلدانهم الأصلية قاموا بتأسيس العديد من الجماعات المسلحة السرية والتي كانت تحظى بدعم خارجي من منظمات ودول إسلامية وتعتبر منطقة البحر الأبيض المتوسط مرتعا خصبا للحركات المتطرفة الأتية من الجنوب (الجزائر ، تونس ، المغرب ) كان هدفها الأول هو الإطاحة بأنظمة  الحكم في بلدانها وعندما عجزت في تحقيق ذلك غيرت من استراتيجياتها وأصبحت تستهدف مصالح الدول الغربية بحجة أن هذه الأخيرة تساند وتدعم الأنظمة السياسية الفاسدة في الكثير من دول الجنوب

ولأسباب سياسية وجدت هذه الجماعات السند المادي والمعنوي لها من بعض الدول الغربية حيث أعلن في هذا الصدد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية خفيير سولانا في تقرير أمام المجلس الأوروبي أن البلدان الأوروبية هي أهداف وقد تم مهاجمتها وأنه تم كشف قواعد لوجيستية للقاعدة في المملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا لا غنى عن العمل الأوروبي المنسق ومصدر القلق والتخوف بالنسبة للجانب الأوروبي من هذه الحركات هو عجز أنظمة دول الضفة الجنوبية للمتوسط عن ضمان أمنها الداخلي وما يشكله ذلك من تهديد للأمن الأوروبي من خلال نقل تلك الفوضى وحالة اللا استقرار الداخلي إلى مجتمعات الضفة الشمالية للمتوسط بالرغم من استمرار تغاظي الأوروبيين لنداءات الجزائر بضرورة غلق المنافذ الخلفية للجماعات الإرهابية التي تتخذ من الكثير من الدول الأوروبية معقلا لها للقيام بعمليات التمويل والدعاية

فظاهرة الإرهاب تأخذ أشكالا مختلفة إذ تظهر لدى بعض جماعات اليمين المتطرفة التي تعكس مفاهيم عنصرية مثل ما يعرف بكراهية الأجانب كما يظهر الإرهاب في دول جنوب المتوسط والدول المغاربية بصفة خاصة في شكل أعمال إجرامية وتخريبية من طرف جماعات متطرفة معارضة للسلطة تطمع في إرساء معايير جديدة للحكم إلا أن المفهوم الأوروبي لمشكلة التطرف الديني لا يتوقف عند اعتبارها أعمال عنف وإرهاب وتخريب بل يتعداها إلى اعتبارها متعلقة بأخطار داخلية تؤثر على النسيج الاجتماعي واستقرار الدول الأوروبية

وكنتيجة لضعف المستوى المعيشي في الدول المغاربية تمكنت ظاهرة الإرهاب من التغلغل في أوساط الفئات المهمشة والتي تمثل قاعدة شبابية بالأخص بنسبة 60% من السكان

ولقد حاولت كل من المغرب وتونس احتواء ظاهرة الإرهاب عن طريق إعطاء الأولوية للنمو والتطور الاقتصادي لاحقا أما الجزائر فأوضاعها الداخلية التي انفجرت في 5 أكتوبر 1988 وتأزمت بعد توقيف المسار الانتخابي سنة 1992 قد جعلت الجزائر في عزلة شبه تامة عن محيطها الإقليمي والدولي مما أثر سلبا على مسار التعاون مع الجزائر التي كانت تركز على مهمة مكافحة الإرهاب

أما بالنسبة لدول الاتحاد الاوروبي نجدها تخشى الأعمال الارهابية الموجهة ضد الأوروبيين أو المؤسسات والمصالح الاوروبية في داخل اوروبا وخارجها وقد جاءت ردود الأفعال تجاه الوضع في الجزائر الذي ميزته ظاهرة الإرهاب متباينة على المستوى الإقليمي والدولي فقد هددت بقطع مساعداتها الاقتصادية عن الجزائر ويعكس الموقف الفرنسي عدة رؤى منها الداخلي الخاص بفرنسا من جهة وحماية مصالحها الاقتصادية في الجزائر من جهة أخرى.

وقد شهدت مسألة مكافحة الإرهاب تطورا هاما قطعت خلاله أشواطا في مجال تقريب وجهات النظر حولها حيث قدمت دول الاتحاد الأوروبي ما يعرف بالميثاق الأورومتوسطي الذي أكد على أن الحفاظ على السلم والاستقرار في البحر الأبيض المتوسط يقوم على مجموعة من المبادئ:-

– التأكيد على إعلان برشلونة كأساس المشاركة الأوروبية المتوسطية.

– عدم قابلية تجزئة الأمن والاستقرار في البحر المتوسط.

-الاعتراف بمفهوم الأمن الشامل والاعتماد على وسائل التعاون الأمني.

– الالتزام بمدخل عام ومتوازن لقضية الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط.

لا شك في ان الارهاب بالنسبة للاتحاد الاوروبي يعتبر مشكلة أمنية من نوع جديد وهو نفس الحال بالنسبة للإرهاب السياسي والإرهاب الديني للأفراد والجماعات ويمكن أن نستخلص أن دول الاتحاد الاوروبي كانت تتعامل بدبلوماسية كبيرة مع الإرهاب فهي من جهة تخشى وصول تيارات إسلامية إلى الحكم وما يعنيه ذلك من تهديد نسبي لمصالحها ومن جهة اخرى هي تعارض الارهاب المضاد وارهاب الدولة والسياسة العنيفة الممارسة ضد الحركات الأصولية دفاعا عن رعاياها في الدول التي تعاني من ظاهرة الإرهاب.

د. يوسف الفارسي – أستاذ العلوم السياسية بجامعة عمر المختار فرع درنة

مقالات ذات صلة

عبدالله خليل : كيف أصبح حال السودان بعد فيضانات 2020 ؟

عبد الحكيم التليب : يجب رفع منحة أرباب الأسر إلى 5000 دولار لأنه أفضل من ضياعها

إغلاق النفط أمام السراج قادم

فاتح الخشمي