العنوان
تواجه الدولة الليبية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً ومتزايداً في تدفقات الهجرة غير الشرعية، مما فرض تحديات أمنية وصحية واقتصادية جسيمة.
واستجابةً لهذه الظاهرة، كثفت الأجهزة الضبطية والتنفيذية من عملياتها الميدانية لضبط المنافذ، وتصحيح الأوضاع القانونية للوافدين، وتسريع وتيرة ترحيل المخالفين إلى بلدانهم الأصلية.
وتعود جذور هذه الأزمة المتفاقمة إلى موقع ليبيا الجغرافي الممتد على شريط ساحلي طويل يربط إفريقيا بأوروبا، وحدود برية شاسعة ومترامية الأطراف في عمق الصحراء تتقاطع مع دول طوق تعاني اضطرابات سياسية وأمنية حادة. وقد تحولت البلاد على مدار السنوات الماضية من مجرد دولة عبور إلى وجهة استقرار قسري لمئات الآلاف من المهاجرين، نتيجة لتنامي شبكات التهريب الدولية والاتجار بالبشر التي استغلت المراحل الانتقالية التي مرت بها المؤسسات الليبية.
حزمة إجراءات عاجلة
وفي سياق التحركات الحالية لمعالجة هذا الإرث المعقد، وجّه نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، الفريق أول ركن صدام خليفة، اليوم الثلاثاء، باتخاذ حزمة إجراءات عاجلة ومنسقة لمعالجة ملف الهجرة غير النظامية.
وشددت التوجيهات العسكرية على تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والجهات ذات العلاقة، ووضع خطط عمل واضحة وفعالة للتعامل مع هذا الملف، بما يحقق التوازن بين الجانبين الأمني والإنساني.
وأولت توجيهات نائب القائد العام أهمية خاصة لضرورة التعامل الإنساني مع المهاجرين وفق الضوابط المعتمدة، وضمان احترام حقوقهم الأساسية إلى حين استكمال إجراءاتهم القانونية. كما أكد الفريق أول ركن صدام حفتر على رفع مستوى الجاهزية الميدانية وتكثيف الجهود لملاحقة وضبط شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والحد من أنشطتها غير القانونية لحماية المجتمع من تداعيات الجريمة المنظمة.
عملية ترحيل واسعة
وعلى الصعيد التنفيذي والميداني، نفذ جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية اليوم الثلاثاء عملية ترحيل جوية واسعة شملت مئات المهاجرين من جنسيات مختلفة عبر منفذ مطار بنينا الدولي في مدينة بنغازي. وجاءت العملية تنفيذاً لتعليمات رئيس الجهاز، وبعد استكمال كافة الإجراءات القانونية والإدارية من داخل مركز إيواء بنغازي الكبرى، بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة.
وشملت القائمة ترحيل 182 مهاجراً من حملة الجنسية النيجيرية، و13 مهاجراً من الجنسية البنغلاديشية، بالإضافة إلى شخص واحد من الجنسية اليمنية. كما جرى إبعاد 14 شخصاً من الجنسية السودانية، من بينهم حالات مصابة جرى التعامل معها وفق الإجراءات القانونية والصحية المعمول بها.
حملات أمنية بسرت
وفي ذات السياق، يواصل فرع الجهاز بمدينة سرت تنفيذ حملات أمنية مكثفة تستهدف ضبط المخالفين لقوانين الإقامة والعمل.
وتركز هذه الحملات اليومية على ملاحقة المتخلفين عن إجراءات تسوية أوضاعهم، وتكثيف أعمال التحري والدوريات الميدانية للحد من الظواهر السلبية المرتبطة بالهجرة غير النظامية.
متابعة النازحين في طبرق
وسيراً نحو توحيد الجهود الأمنية، شهدت مدينة طبرق يوم أمس الإثنين اجتماعاً أمنياً موسعاً بمقر مديرية أمن البطنان، برئاسة مدير الأمن اللواء أسامة الكيش.
وحضر الاجتماع مساعد الشؤون الأمنية بجهاز مكافحة الهجرة اللواء بالقاسم العريبي، ومدير فرع الجهاز بالبطنان اللواء إبراهيم لربد، إلى جانب قادة الأجهزة العسكرية والأمنية بالمنطقة.
وناقش المجتمعون في طبرق آليات تنفيذ خطة أمنية مشتركة لمتابعة أوضاع النازحين والوافدين، وتفكيك التجمعات غير القانونية.
وشدد الحاضرون على ضرورة رفع مستوى التنسيق وتبادل المعلومات بين مختلف الأجهزة لمكافحة المظاهر السلبية، ومتابعة الأوضاع الصحية والإدارية للعمالة الوافدة بكل حزم ومسؤولية بما يسهم في تعزيز الاستقرار وحفظ النظام العام.
الحلول الاستراتيجية
وعلى صعيد الحلول الاستراتيجية المطروحة لتجاوز هذه الأزمة، يرى مسؤولون ومؤسسات وطنية ونشطاء حقوقيون أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لإنهاء الظاهرة، ويقترحون حزمة من الحلول المتكاملة يتصدرها تفعيل استراتيجية “الدفاع من الحدود الجنوبية” بدلاً من ملاحقة المهاجرين داخل المدن، وذلك عبر دعم وتجهيز حرس الحدود الليبي بالتقنيات الحديثة وأبراج المراقبة لرصد خطوط التهريب الصحراوية.
وتتضمن المقترحات السياسية والحقوقية ضرورة إلزام المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي بـ “مبدأ تقاسم المسؤوليات والأعباء”، والتحول من سياسة حماية الشواطئ الأوروبية وتوطين المهاجرين في دول العبور، إلى الاستثمار الحقيقي في دول المنشأ الإفريقية لإقامة مشاريع تنموية توفر فرص عمل وتحد من رغبة الشباب في الهجرة.
كما يدعو النشطاء والخبراء القانونيون إلى ضرورة الإسراع في رقمنة وتحديث المنظومة الإدارية للعمالة الوافدة في ليبيا من خلال إصدار بطاقات حصر ذكية، وتشديد الرقابة القانونية على سوق العمل لتنظيم الوجود الأجنبي وحماية الأمن الصحي والاجتماعي للبلاد، مع الإبقاء على مراكز الإيواء كمحطات مؤقتة تضمن الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان حتى إتمام عمليات الترحيل الطوعي بالتعاون مع المنظمات الدولية.

