مقالات رأي

وقفات مع الخازوق العثماني

بقلم: عيسى عبدالقيوم

1-حديث رجب أردوغان جاء منسجماً مع تجربته مع إسرائيل وروسيا وأمريكا.. التي يعلو فيها صوته أمام جمهوره المحلي وينخفض إلى أدنى مستوياته على أرض الواقع وفى كواليس الحدث.. فهو من سيحرر القدس وهو ذاته من يوقع أكبر عقود الشراكة مع تل أبيب.. وهو من سيحرق نظام الأسد وهو ذاته من وقع الهدنة مع روسيا وبلع لسانه.. وهو من أقسم بأن القس الامريكي أندرو برونسون الجاسوس لن يسّلم لأمريكا.. ليقوم هو بذاته بتوديعه في المطار قاصداً بلده.. وووو، فصدى صراخه على الأقوياء لم يتعدى أستوديوهات قناة الجزيرة.

2-كلامه بأنه ذاهب الى طرابلس لحماية مزاعم وجود مليون من أصل تركي، يفرض على المغفلين أن يعيدوا تقييم دوره في بلادهم، فهو هنا يتناقض مع نفسه، فهناك ألف ميل بين قوله بأنه ذاهب لدعم حكومة شرعية وبين قوله إنه ذاهب لدعم أقلية عرقية، فالسبب الأخير هو ذاته التي أسهم في تقسيم قبرص، فتأكيده بأنه ذاهب لدعم أقلية عرقية سيعطي الحرب بُعداً اخراً محلياً وإقليميا. ويجب أن يكون محل تقييم العقلاء!

3-لا مقارنة بين أي اصطفاف سياسي واصطفاف عرقي.. فالاصطفاف السياسي متعارف على أنه يستهدف حماية مصالح مشتركة أو تأمين مناطق أمن قومي أو دعم حليف على خلفية سياسية.. اما الاصطفاف العرقي فيستهدف تمكين أقلية وغالباً ما ينتهي بتقسيم البلد كما في تجربة الاتراك مع قبرص.. أو فرض جيب لحكم ذاتي يمزق البلد كما في تجربة الاتراك مع سوريا.. من هنا فتصريح أردوغان بأن دافع ذهابه الى غرب ليبيا هو حماية أقلية تركية خطير جداً.. وإذا تم فقد تكون نهايته وخيمة وهي تقسيم غرب ليبيا وفرض جيب أو عدة جيوب به!.

4-تصريح أردوغان وحزبه بأن لهم أقلية تركية في غرب ليبيا هي من طلب الحماية ألا يضع علامة استفهام على السراج والسويحلي وغيرهم؟!.. لان التصريح قد وضعهم في خانة أنهم من طلب الحماية على خلفية مشترك عرقي تاريخي وليس على خلفية سياسية.. وهو ذات السبب الذي ذكره د. علي الصلابي لطلب الحماية التركية لمصراتة بداية ثورة فبراير.. واعتقد بأن ما قاله أردوغان هو “فلتة” كشفت ما يقال خلف الابواب المؤصدة.. وهو كلام قد لا يعلمه حتى الكثير من شركاء السراج والسويحلي المغرر بهم.. ولكنه اليوم بات مكشوفاً فهل سيقبل هؤلاء بأن تكون حربهم عرقية؟!.

5-كلام التركي أردوغان قد يكون متماهياً مع الدفنقي الذي يلوكه التيار الإسلام السياسي ومنسجماً مع رغبته في الحكم بأي ثمن وبأي وسيلة.. ولكن لماذا صمت التيار المدني الداعم للسراج بعد هذا التصريح؟!.. لماذا لم يعلنوا بأن ما يقال وما يجري لا يتفق مع توجهاتهم؟!.. الحديث لكل الذين يصدّعون رؤوسنا صباح مساء بالحديث عن دولة الوفاق المدني الحضاري.. التي اثبت تصريح أردوغان بأنها دولة قائمة على خفايا عرقية نتنة ومتخلفة الى درجة أن تقبل بأن تكون مرجعيتها “تاريخ عثماني استعماري حقير”.. فلماذا صمتت نخبة التيار المدني عن فكرة “رجعية” مآلها تفتيت بلدهم؟!.. سننتظر لعلهم في صدمة !!.

6-تقول القاعدة “بأضدادها تتمايز الأشياء”.. وعليه فاذا كان أردوغان قد أعطى لنفسه حق التدخل العسكري لحماية مليون شخص من اصول تركية ، فهل يصح في المقابل أن تدعم الدول العربية الـ5 مليون عربي ليبي؟!.. بل هل يصح أن نطلب دعم 13 مليون ليبي يقيمون في جمهورية مصر العربية على رأسهم أولاد علي والجوازي؟!.. فمن استساغ المنطق “التركي” وسكت عنه.. عليه أن لا يعترض على من يذهب إلى هذا الخيار أيضاً.. وشخصياً لازلت حتى الأن مع الدولة القُطرية المحلية بحدودها الجغرافية ورقمها الوطني وما زاد على ذلك فهو أجنبي.. تماماً كما تعاملنا اي دولة عربية!!.. فقط هو تذكير لمن يخلطون اوراق بلدهم لحسابات سلطة متغيرة.. ويبررون حرباً عرقية يقيناً ستكون فاتورتها باهضة عليهم قبل غيرهم!.

7-أعتقد أن كلام أردوغان محاولة رخيصة منه ومن “جمعية الكوارغلية” التي مقرها اسطنبول والتي يجبن رئيسها على الكشف عن اسمها وصورته.. وركوب مكافيلي مبتذل من بعض قادة تيار الاسلام السياسي الذين عودونا على أن الغاية تبرر الوسيلة.. فالحقيقة تؤكد بان هذا الرقم مزيف.. وأنه على فرض صحته فهو شيء تاريخي لا قيمة حالية له.. فليبيا بلد تعددت اعراقه والكثير الكثير من العائلات ذات الاصول التركية أنجبت ابطالاَ ضحوا من أجلها.. وأجزم أن أغلبهم اليوم يتقززون من هذا التصريح المقرف وأنهم اول من سيقف ضد هذا “الخازوق” الذي يسعى أردوغان الى زرعه في ليبيا.. وأن المقصود من تصريحه هي مجموعة سياسية انتهازية يمكن وصفها بـ “اتراك ليبيا” تبحث عن مصالحها التي كانت بالأمس مع المستعمر الإيطالي واليوم مع المستعمر التركي.. اما الغد فهو للشعب الليبي وتياره الوطني الحقيقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق