مقالات رأي

عندما هزمتنا الليشمانيا

بقلم: حمد الرقعي

حشرة صغيرة هي ذبابة الرمل، أصغر من أي بعوضة أخرى، صفراء اللون، عيونها سوداء، ذات أرجل طويلة، جسمها يغطيه الشعر الكثيف. ترتاح في النهار بين الحجارة وفي الشقوق الداخلية لجدران المنازل وفي جحور الحيوانات كالقوارض والثعالب وفي جذوع الأشجار، حيث تضع بيضها في هذه الأماكن. لكنها وبمضي جُل الليل ومع اقتراب الفجر، تترك ذبابة الرمل قواعدها النهارية لتطير على ارتفاعات منخفضة حاملة داخلها طفيل الليشمانيا، تطير دون أن تُصدر صوتاً، باحثة عن ضحاياها لتلسع الشخص دون أن يشعر بها، ناقلة إليه الطفيل من الحيوانات كالقوارض والجرذان والكلاب عبر مصّ دمها المليء بالطفيلي، يتكاثر الطفيل في معدة الذبابة ثم ينتقل عبر لعابها إلى حيوانات أخرى أو إلى الإنسان. وكحاملته – ذبابة الرمل-يتبع المرض سياسة التخفي فلا تظهر أعراضه إلا بعد عدة أسابيع من لسعة الذبابة. تبدأ الأعراض في صورة حبوب حمراء صغيرة أو كبيرة في المناطق المكشوفة من الجسد كاليدين والوجه، تتقرح بعد فترة وتظهر على سطحها إفرازات متيبسة ولا تلتئم هذه التقرحات بسرعة. وقد تؤدي الليشمانيا إلى ندبات دائمة تشوه الجسم في حال عدم علاجها مبكراً.

حتى هذه اللحظة لا يوجد لقاح فعال يقي من طفيل الليشمانيا، لتظل الطريقة الأساسية للوقاية هي تجنب التعرض لعضة ذبابة الرمل بارتداء الملابس السميكة ذات الأكمام الطويلة و البنطلون و الجوارب و القفازات خاصة وقت نشاط ذبابة الرمل، و تجنب التجول بين وقت المغرب والفجر عندما تنشط الذبابة، مع الجرص على اسخدام الناموسيات خلال النوم ووضع شبكة من السلك الدقيق ” الريتي” على النوافذ لمنع الحشرات من الدخول إلى المنازل، و النوم على السرير وتجنب النوم على الأرض، والأسطح المنخفضة واستخدام الكريمات الطاردة للحشرات على الجلد مباشرة. والبقاء في المساحات المكيفة واستخدام مراوح التهوية أثناء ساعات انتشار ذبابة الرمل.

لكن الجزء الأكبر في تحقيق الوقاية من الليشمانيا يتعدى الشخص إلى مؤسسات الدولة. فجميع ماذكرناه من سبل الوقاية يقع تطبيقه على عاتق الشخص. لكن مؤسسات الدولة هي التي تقوم بتوعيته بهذه السبل وإقناعه بأهميتها للوقاية من المرض، ومؤسسات الدولة هي المسئولة عن القضاء على ذباب الرمل الناقل للمرض في أماكن تكاثرها باستعمال المبيدات الحشرية المناسبة. مؤسسات الدولة هي المسئولة عن رش حفر الحيوانات وردم البرك والمستنقعات، وإيجاد حلول لشبكات الصرف الصحي. والتخلص من الأكوام الصخرية المتواجدة قرب بيوت المواطنين. مؤسسات الدولة هي المسئولة عن منع تربية الحيوانات في المناطق السكنية، والتخلص من الحيوانات الضالة، ومكافحة القوارض بشكل دوري. ومعالجة البرك والمستنقعات والبحيرات الصغيرة بيئياً.

وإجراء حملات مكافحة واسعه للحد من تواجد وانتشار ذبابه الرمل، ومحاربة الكلاب الضالة، ورصد الأماكن التي تعيش فيها ذبابة الرمل بشكل كثيف في أطراف المدن والقرى، ورشها بالمبيدات. بل أن مقاومتنا للمرض يجب أن تطال الكلاب المنزلية وكلاب الرعي، المستودعاتٍ المضيفةً للعامل المعدي، لنحميها بالأطواق المُشَرَّبة بالديلتاميثرين.

إن عدم الاستقرار المتواصل في بلادنا ينعكس على أغلب مؤسسات الدولة لتظل عاجزة عن تنفيذ برنامج مكافحة فعال. فتطبيق مثل هذه البرامج الوقائية يحتاج سلاماً واستقراراً يحقق التزاماً سياسياً طويل الأمد، وهو الأمر الذي يظل بعيد المنال في ظل تغير أولويات الصحة مع تغير الحكومات أو الوزراء، وهو ما سيُفشل أي حملة نتيجة عدم توفر الموارد المالية التي تتطلب هي الأخرىً التزاماً طويل الأمد.

إن النزوح بين المدن، والظروف الاقتصادية التي يمر بها المواطن، اضطرت بعض الأسر للسكن في منازل قديمة تملئها الشقوق التي قد تستوطنها ذبابة الرمل. وعدم وجود صرف صحي جيد وانتشار اكوام القمامة وعدم ازالتها ورشها بالمبيدات الحشرية اللازمة صار يشكل بيئة مناسبة لتكاثر ذبابة الرمل.

إن دور المواطن سيظل محدوداً بل قد يظل غائباً في ظل غياب برامج مكافحة توضع على مستوى الدولة.

وإن استمرار الحرب والفوضى والفساد لاشك ستطيل من عمر الليشمانيا في بلادنا.

إن فرحة وزرائنا بإحضار أدوية الليشمانيا من الهند، سُيفرح من أصيبوا بهذا المرض، لكنه لن يوقف زحف الليشمانيا في بلادنا. و مادام المسؤول في بلادي ينهب الأموال ليؤمن مستقبل ابناءه و ربما أحفاده، سيظل الطفل الليبي مهدداً بالليشمانيا، ما دامت الحرب فينا و مادام النزوح و ضيق ذات يد مواطنينا ستظل ذبابة الرمل بيننا داخل الشقوق في بيوتنا، و تظل الليشمانيا تجتاحنا بين حين و حين. مادامت أكوام الدمار بجانب بيوتنا و طفح المجاري يخنق أنفاسنا، و الكلاب الضالة تجوب شوارعنا، ستدوم الليشمانيا في مناطقنا. الليشمانيا ليست بالمرض القاتل دائماً، لكن وجودها بيننا سيظل دليل تخلفنا وجهلنا و شاهد صادق على هزيمتنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق