مقالات رأي

الأبعاد الاستراتيجية للأمن الإقليمي المتوسطي الأوروبي

بقلم: د. يوسف الفارسي – متخصص في شؤون الأمن القومي والإقليمي في منطقة غرب المتوسط

إن النظام الأمني الإقليمي هو بمثابة التعبير النظامي أو الحركي لمفهوم الأمن سواء كان على شكل سياسات أو مؤسسات وعليه فإن هذا النظام مرتبط بالمفهوم المتفق عليه للأمن حيث يتغير بتغير ذلك الأمن ويتوقف استقرار وفعالية أي نظام أمني إقليمي على درجة عمق الالتزامات المتوازنة والمتبادلة التي يقوم عليها هذا النظام من جهة ومدى استعداد الدول المؤثرة داخل النظام لتقديم صلاحيات قانونية إجرائية وموارد مناسبة لتشغيل مؤسساته بفعالية من جهة أخرى.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي فقد سعى إلى تأسيس بناء إقليم أمن متوسطي على الرغم من التباين الحاصل بين ضفتي المتوسط وعلى جميع المستويات وكذلك تأكيدات المقترب البنائي على أن المتوسط لا يمكن ان يكون مركبا أمنيا إقليميا أمنيا نظرا لأن الدول المحيطة به لها أجندات أمنية مختلفة فأمن جنوب جنوب يمكن أن يتأثر بعوامل قد لا تؤثر نهائيا على الأمن ( شمال – جنوب) خاصة في فترة ما بعد الحرب الباردة وهذا ما يؤكد أكثر التفسير الإقليمي المتعدد للسياسة المتوسطية وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال تحليل دوافع طرح الاتحاد الاوروبي لمبادرات الشراكة مع الضفة الجنوبية حيث أنه من بين الأهداف التي دفعت الاتحاد الاوروبي إلى تأسيس شراكة مع اثنتي عشرة دولة متوسطية تأمين الحدود الأوروبية الجنوبية من مخاطر أنتشار الإسلام السياسي والهجرة السرية والإرهاب أما دوافع انخراط الدول المتوسطية فإنها تتسم بالتباين نظرا لاختلاف المصالح وعدم وجود رؤية أمنية مشتركة كما يلاحظ بأن الشراكة الأورو- متوسطية تحمل بعدا استراتيجيا أوروبيا يهدف الى جعل البحر الابيض المتوسط منطقة نفوذ يمكن من خلالها تحقيق الأمن الأوروبي الشامل وخاصة في المجالين السياسي والأمني.

إن سياسات اقليم المتوسط وبغض النظر عن الاختلافات الحاصلة داخل البيت الأوروبي من حيث دفع كل قوة داخله إلى تبني توجهات تخدم مصالحها ودون المساس بالمصالح العليا المشتركة للاتحاد غالبا ما تصطبغ بطابع أمني وهو ما جعل منطقة المتوسط عرضة للعديد من المبادرات الأوروبية التي تحمل أهدافا معلنة لجعل المتوسط منطقة أمن وسلام وتبادل حضاري وثقافي أما جيوستراتيجيا فإن الهدف المحوري هو تأمين الحدود الجنوبية لأوروبا من التهديدات الأتية من الجنوب.

 وانطلاقا من أصباغها بطابع أمني فإن المبادرات الأوروبية باختلاف أهدافها يمكن تصنيفها ضمن ما يعرف بنظام الأمن التعاوني الذي يتم في إطاره تطبيق مجموعة من مبادئ السلوك الإقليمي المتفق عليها التي تؤكد الأمن المتبادل أكثر من الأمن الذاتي بحيث يكون فيه التعاون شاملا لا يقتصر على القضايا المتعلقة بالبعد العسكري للأمن بل يشمل قضايا التماسك الاجتماعي والنمو السكاني والتنمية المستدامة وقضايا البيئة وقضايا الأمن بمفهومه الناعم مع تسجيل علامة فارقة هي أن كل هذه المبادرات مصدرها أوروبا وبالتالي فهي تتبنى المفهوم والنظرة الاوروبية للأمن في ظل غياب واضح وغير مفهوم لدول جنوب المتوسط لتبقى منطقة المتوسط بناء عملياتيا أوروبيا إلى حين.

د. يوسف الفارسي – أستاذ العلوم السياسية بجامعة عمر المختار فرع درنة

Related posts

وقفات مع الخازوق العثماني

فاتح الخشمي

ليبيا تعود ولو كره الإخوان الفاسدون

ماذا ينقص المجتمع الدولي ومنظماته لإدانة أفعال الوفاق ومليشياتها