مال وأعمال

التحديات الأمنية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وتأثيرها على تركيا والمنطقة

بقلم: د. يوسف الفارسي – متخصص في شؤون الأمن القومي والإقليمي في منطقة غرب المتوسط

زادت الأهمية الجيواستراتيجية لمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط مع الاكتشافات الهائلة للثروات الطبيعية من النفط والغاز الطبيعي مما أدى الى حدوث توترات عكست تضارب مصالح القوى المحلية والاقليمية والدولية وهناك مجموعة من العوامل الاخرى التي أسهمت في زيادة حدة هذه التوترات من بينها الإرث التاريخي للصراعات بين تركيا واليونان.

كما اشتدت هذه التوترات مع تنامي مساعي تركيا لتصبح قوة إقليمية ليس في شرق البحر الأبيض المتوسط فقط بل وفي الشرق الاوسط عموما وقد اتخذت هذه التوترات مظاهر عدة من بينها إرسال تركيا سفن الاستكشاف والتنقيب في منطقة متنازع عليها مع اليونان ما أنذر بنشوب مواجهة عسكرية كان من الممكن أن تتطور إلى حرب شاملة بين البلدين

وعلى غرار ذلك تتبوأ منطقة شرق البحر الابيض المتوسط موقعا استراتيجيا مهما حيث تعد مركزا للنقل التجاري وتؤمن الوصول الى المحيط الهندي عبر قناة السويس كما تعد مجالا للتجارة البحرية بنسبة 30 % ومن أبرز نقاط عبور النفط والغاز الطبيعي من الشرق الاوسط الى دول الاتحاد الاوروبي بواقع ما يقدر ب 35% من الغاز و 50 % من النفط وتمثل المنطقة أيضا مركزا للدعم الامني حيث تقف جدار صد ضد التهديدات الارهابية العابرة في أتجاه الدول الأوروبية.

كم تحتوي المنطقة على كميات هائلة من الثروات الطبيعية من النفط والغاز الطبيعي وفقا لهيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية التي صدرت تقييما في مارس عام 2010 يقول بأن منطقة حوض بلاد الشام والتي تشمل الاجزاء البحرية لغزة وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص يمكن أن تحتوي على نحو 120 تريليون قدم مكعب ((3.4 مليار متر مكعب )) من الغاز القابل للاستخراج و 1.7  مليار من النفط تتراوح قيمتها بين 700 مليار دولار و3 تريليونات دولار وأصدرت الهيئة ذاتها في مايو 2010 تقييما أخر يتعلق بحوض دلتا النيل وقبالة السواحل المصرية في البحر المتوسط باعتبارها تحتوي على ما يقارب 6.320 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي غير المكتشف و 7.6 مليار برميل من النفط وهذا ما أكده أكتشف حقل ظهر عام 2015 في المنطقة الاقتصادية لمصر وقدرت موارده بنحو 30 تريليون قدم مكعب وسبقه اكتشاف حقلي تمارا وليفيثيان في إسرائيل بموارد  30 تريليون قدم مكعبة فيما تمتلك قبرص موارد غازية تقدر بنحو 10 تريليون قدم مكعبة

كل هذه المقومات الاقتصادية من الطاقة والغاز في المنطقة أدت إلى إبراز دوافع التوتر في شرق البحر المتوسط ليعود الدور التركي مجددا الى منطقة الشرق الاوسط مع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002 حيث تبنى قادته سياسة إحياء دور تركيا الإسلامي وتصغير المشكلات وساهم في ذلك تحقيق الاقتصاد التركي بمعدلات نمو كبيرة خلال الفترة من 2002 حتى 2017.

تزامن ذلك مع زيادة الروابط مع الدول العربية والاسلامية حيث تزايد النشاط الارتباط الاقتصادي بين تركيا ودول الخليج العربية وشهدت الفترة من عام 2002 حتى عام 2014 سلسلة من المبادرات الحكومية التي تعمل على تعزيز العلاقات التجارية بين الجانبين وفي عام 2014 بلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 16 مليار دولار.

لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا فقد حدث تحول في توجه تركيا ودورها في الشرق الاوسط بعد أحداث ما يسمى الربيع العربي إذ دعمت أحزاب الإسلام السياسي وأيدت قطر في أزمتها مع دولة الامارات والسعودية والبحرين ومصر وتدخلت العراق وسوريا وليبيا وأقامت قواعد عسكرية في قطر والصومال وكانت بصدد إقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية بعد أتفاقها مع حكومة الرئيس السابق عمر البشير على تطوير هذه الجزيرة.

كما اتخذت تركيا موقفا متشددا إزاء دول منطقة شرق المتوسط خاصة بعد الاكتشافات الهائلة لمصادر الطاقة في محاولة منها لتأمين حصتها من موارد المنطقة تخرجها من أزماتها الاقتصاد من جهة وتحقق لها من جهة أخرى طموحاتها في التمدد في مناطق جديدة خروجا مما تراه حصارا في مناطق ساحلية ضيقة بالإضافة إلى محاولة تأكيد ما تردده حول وجود حقوق في شرق المتوسط وفي الجزر اليونانية الواقعة قبالة ساحل بحر إيجة.

دفعت كل هذه الاسباب وغيرها أنقرة إلى التصرف بعيدا عن القوانين الدولية لتجنب خسارة ثروات شرق المتوسط مما دفعها إلى توقيع أتفاقا أمنيا وبحريا لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية  وهو ما يعد مخالفا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 التي لم توقع عليها أنقرة ومنع اتفاقية لوزان لها من التنقيب عن النفط والغاز خارج مياهها الإقليمية حتى 2023.

د. يوسف الفارسي – أستاذ العلوم السياسية بجامعة عمر المختار فرع درنة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق