مقالات رأي

خطوات تمهيدية نحو الحل السياسي في ليبيا

بقلم: د. يوسف الفارسي -متخصص شؤون الأمن القومي في البحر المتوسط

إن الدخول في مرحلة انتقالية جديدة يستوجب تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على تجاوز تحديات المرحلة الحالية، بما فيها القضايا الكبرى مثل: التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية وفق منظور جديد يراعى تسهيل أسس المصالحة الوطنية وترسيخها بين قوى المجتمع، وإعادة هندسة علاقات وقيم المجتمع بعيدا عن السلطوية وتحديد نمط العلاقات ما بين السلطة والمجتمع، بحيث تكون تلك السلطة في خدمة المجتمع وقضاياه، وليس العكس، وهذه كلها تحديات تتطلب التأني وعدم الاستعجال السياسي الذي نراه من البعض الأن.

وعقب التوافق السياسي – المجتمعي حول أسس تلك الفلسفة الحاكمة لإدارة المرحلة الانتقالية، يجب البدء في إجراءاتها التنفيذية الحاكمة، والتي من شأنها استعادة الأمن والاستقرار، والمساعدة على نشوء بيئة مواتية للانتقال للمرحلة النهائية بأقل تكلفة استراتيجية ممكنة (بالداخل والخارج).

وتشمل أبرز تلك الإجراءات الواجب تنفيذها :

  1. التزام جميع القوى السياسية والاجتماعية بالهدوء السياسي والتهدئة، وتعدها العلني بعدم استخدام السلاح أو القوة في حل أي خلاف ينشأ بينها طوال المرحلة الانتقالية، أو حتى التهديد والتلويح به لإرهاب الأخرين، بما فيها محاولات إقصاء أي طرف من المشهد السياسي الاجتماعي، واعتماد مبدأ الحوار والتفاهم المتبادل، وكافة الأليات الديمقراطية لإدارة الخلاف والصراع بعيدا عن الاحتكام إلى السلاح.
  2. البدء في إجراءات جمع السلاح غير الشرعي، وذلك يبدأ بإخراج كافة أنواع العتاد الحربي المتوسط والثقيل من المدن ومراكز بمسافات كبيرة ، واستعادة الهدوء والاستقرار للمواطنين، عبر توقيتات زمنية محددة، وإعطاء حوافز مالية للمبادرين طوعا بتسليم أسلحتهم، وبعد انتهاء المدة الزمنية المحددة يتم ضبط الأسلحة ومصادرتها بالقوة ومعاقبة من تكون بحوزتهم. بما يسمح بسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، وعدم السماح بوجود كيانات مسلحة خارج إطار الدولة.
  3. إصدار قانون العفو العام عن كل الأحداث التي وقعت طوال الفترة الماضية ، سواء في مداها القريب (سنوات ما بعد فبراير)، أو البعيد( قبل هذا التوقيت السياسي). فلا يجوز لأحد احتكار الوطنية، ونزعها عن الأخرين، ورفع كل العوائق أمام عودة هؤلاء لمؤسسات الدولة والمجتمع بالتزامن مع إجراءات شاملة من أجل جبر وتعويض المتضررين من تلك الأحداث ماديا ومعنويا. وإنشاء صندوق خاص لتلك المسألة الإنسانية، ويدار بقدر عال من الشفافية والحوكمة الإدارية المالية لمنع تكرار الفساد الذي رأيناه بعد فبراير 2011.
  4. تعهد جميع فرقاء المشهد الليبي بإعلاء المصالحة الوطنية على ما عداها من مصالح وولاءات أخرى، بما فيها العمالة للخارج، لكون هذا الأمر وحده فقط الكفيل بإجبار البيئة الخارجية بشقيها ( الإقليمي والدولي) على التوافق السياسي، ونبذ حرب الوكالة التي تديرها بالمشهد الليبي.
  5. البدء في سياسات إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتحديدا: الأمنية والقضائية والاقتصادية، وإدارتها بشكل يتسم بقدر عال من الشفافية والحوكمة لمنع النزيف المالي الحادث للثروة ومقدرات الشعب الليبي، بما يعنيه ذلك من استعادة هيبة الدولة، وسرعة الفصل في النزاعات التي تنشأ بين الليبيين كأفراد وجماعات.
  6. تأسيس لجنة للعدالة والمحاسبة، تكون أبرز مهامها: التوثيق القانوني والسياسي للانتهاكات التي حثت لحفظ الذاكرة الوطنية، بالإضافة إلى رد الاعتبار للضحايا وتعويضهم (وعائلاتهم) بشكل يليق بهم، والعفو عن المتسببين بهذا العنف والأقصاء، بعد تقديم الاعتذار العلني للضحايا وذويهم. بالإضافة لإدارة ملف عودة الليبيين من الخارج، وإنهاء حالة التشرد (بالداخل والخارج) دون قيود. كما يناط أيضا إدارة الصراعات الممتدة اجتماعيا داخل الجغرافيا الليبية، سواء بعد فبراير 2011 أو ما قبلها، بحيث تعطى الأولوية هنا للنزاعات الجهوية بين المناطق الليبية، ثم مثيلتها القبلية.
  7. رفع القيود على حركة وعمل المواطنين سواء داخل المدن الليبية أو خارجها، من دون تمييز سياسي أو مناطقي، في إطار عام من احترام حقوق الإنسان، ومجمل الحريات السياسية والمدنية التي تكفلها المواثيق الدولية.
  8. إدانة وتجريم ومحاربة الإرهاب بكافة أشكاله (المادية واللفظية)، بالإضافة إلى: العنف والفساد الذي يستهدف الليبيين ومؤسسات الدولة، وعدم إضفاء الشرعية أو المشروعية السياسية أو الاجتماعية من قبل جميع الأطراف على تلك الأعمال.
  9. العمل على تأمين الحدود مترامية الأطراف، ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، والتلوث البيئي، وملف الصيد البحري، التي تعتبر من التحديات المطروحة التي تواجه بلدان إقليم غرب المتوسط، ومن ضمنها ليبيا، التي تعتبر من دول جنوب غرب المتوسط.

الوصول للمرحلة النهائية:-

خلال مراحل تنفيذ تلك الإجراءات المتعلقة بإدارة المرحلة الانتقالية، يجب التوافق على إجراءات إطلاق المرحلة النهائية، عبر ثلاثة إجراءات متدرجة حسب الأهمية السياسية لها وهي: الدستور، انتخابات الرئاسة، وأخيرا: الانتخابات البرلمانية، وفقا لما يلي:-

أولا: تشكيل لجنة من خبراء القانون الدستوري تعكس كل التيارات الفكرية والثقافية  داخل ليبيا وفقا لتمثيل متوازن ، تكون مهمتها الأساسية إعادة قراءة بنود الدستور، وإدخال ما تراه مناسبا من تعديلات قبل طرحه للنقاش العام، والاستفتاء عليه في نهاية المرحلة الانتقالية، لكي يؤسس لدولة مدنية – ديموقراطية حقيقية ، تؤمن بمبدأي: المحاسبة السياسية والمواطنة الكاملة (بالحقوق والواجبات) لكافة مكونات المجتمع ، وعدم التمييز السياسي أو المناطقي في توزيع الثروة، ومبدأ الفصل التام بين السلطات، وإطلاق الحريات العامة.

ثانيا: بعد إقرار الدستور البدء في إجراءات الانتخابات الرئاسية أولا، ثم الانتخابات البرلمانية. والأهم إجرائهما بعدما يتبين نوع النظام السياسي الذي يتوافق عليه الليبيين، واختصاصات السلطة التنفيذية والتشريعية، وحدود العلاقة بين السلطات، وألية توزيع الثروة القومية بين المناطق الليبية.

و في النهاية لن نتمكن من العبور إلى بر الأمان والاستقرار مالم تحدث مصالحة وطنية شاملة يقود إليها توافق مجتمعي، وفق أليات واضحة المعالم تحفظ فيها حقوق الجميع بعدالة (انتقالية) شمولية، مصحوبة بتضحيات متوازنة من كل الأطراف دون إفراط أو تفريط.

تم نشره بمركز المتوسط للدراسات السياسية مقره لندن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق