العنوان
في مشهد يُفترض أنه يحمل طابعًا إنسانيًا تضامنيًا مع الشعب الفلسطيني، انقلبت ما تُعرف بـ”القافلة التونسية الجزائرية” أو “قافلة الصمود” إلى عنوان كبير على أبواب مدينة سرت، ليس فقط لأسباب إدارية وأمنية، بل أيضًا بسبب “تصريحات صادمة ومُستفزة” أطلقها أحد قادة القافلة، وُصفت في الأوساط الليبية بأنها تشبيه “فجٌّ وغير مسؤول”.
فقد خرج أحد منظمي القافلة بتصريح مفاجئ (فيديو) من محيط مدينة سرت، قال فيه: “جيش حفتر مثل الجيش الإسرائيلي، وحدود سرت هي حدود إسرائيل”، قبل أن يُكمل: “نحن جياع، نريد أكلًا وشربًا، ونطالب قيس سعيد وتبون بالتدخل”.
تصريحات بلا بوصلة!
الردود على هذا الخطاب الغريب لم تتأخر، فقد استنكر نشطاء ومراقبون تشبيه الجيش الليبي بـ “جيش الاحتلال الإسرائيلي”، واعتبروه انزلاقًا سياسيًا وأخلاقيًا يُهدد مصداقية القافلة نفسها.
فبينما كان يفترض أن تُشكل هذه القافلة نموذجًا للمبادرات الإنسانية الموحّدة لـ “مناصرة غزة”، تحولت سريعًا إلى مشهد عبثي، يخلط بين التضامن والمزايدة، وبين الجوع السياسي والجوع البيولوجي.
كما أن المناداة بتدخل قادة تونس والجزائر بدا، من وجهة نظر ليبية، تدخلاً غير مبرر في شؤون سيادية، خاصة أن القافلة دخلت أراضي دولة ذات سيادة، “دون استيفاء الشروط القانونية اللازمة”، مما جعلها عرضة للتوقيف المؤقت، وهو ما حدث.

قانون لا استهداف
وزارة الداخلية بالحكومة الليبية لم تترك منذ البداية مجالًا للتأويل، إذ أصدرت توضيحًا رسميًا نفت فيه بشكل قاطع “احتجاز القافلة أو تعطيلها بلا سبب”، مؤكدة أن ما جرى هو تطبيق مباشر للقوانين، بعد ملاحظة أن عددًا من المشاركين يفتقرون إلى جوازات صالحة، بينما لا يملك آخرون وثائق أصلًا، في مخالفة صريحة للوائح المعتمدة لعبور الأجانب إلى البلاد.
لا جوازات ولا أوراق ثبوتية!
الداخلية أكّدت في بيان رسمي، أن عددًا من المشاركين في القافلة لا يحملون جوازات سفر سارية وبعضهم لا يملكون أوراقًا ثبوتية، فضلًا عن عدم وجود أختام دخول للدولة الليبية.
وأشارت إلى أنّه بالتنسيق مع القيادة العامة للجيش، تم تجهيز نقاط استقبال ومرافقة في سرت وإجدابيا، تأكيدًا على النية الليبية لتسهيل العبور الإنساني، لا إعاقته، لكن الافتقار للحد الأدنى من الترتيب القانوني أدى إلى توقيف القافلة مؤقتًا.
من جانبها رحّبت وزارة الخارجية في الحكومة الليبية، بالمبادرة كمبدأ إنساني، مؤكدة دعمها للمساعي الشعبية في نصرة الشعب الفلسطيني، لكنها في الوقت ذاته شددت على “ضرورة احترام الأنظمة التنظيمية، والمتعلقة بعبور المناطق الحدودية”.
البيان أكّد أن الرسالة السياسية للقافلة “لا تُبرر تجاهل القوانين”، كما جدد دعم ليبيا لحقوق الشعب الفلسطيني، ورفضها التام لأي شكل من أشكال التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، في انسجام تام مع ما أقرّه مجلس النواب الليبي من تشريعات واضحة في هذا السياق.
رسائل مبعثرة؟
أحد الناشطين الليبيين (فضل عدم نشر اسمه) وجّه مجموعة من التساؤلات في حديث لصحيفة العنوان، حيث قال: “ما حدث في سرت يطرح سؤالًا جادًا.. هل نحن أمام مبادرات شعبية عفوية حقيقية؟ أم تحركات مرتجلة تفتقر إلى أبسط أدوات التنظيم والاحترام القانوني؟ وهل من المقبول أن تتحول حدود ليبيا إلى مسرح للخطابات النارية والتشبيهات السطحية التي تُسيء للجيش الليبي وتُربك المشهد السياسي؟”.
