مقالات رأي

الشرق الأوسط في استراتيجيات حلف شمال الأطلسي

بقلم: د. يوسف الفارسي – متخصص في شؤون الأمن القومي والإقليمي في منطقة غرب المتوسط

بدأ اهتمام حلف شمال الاطلسي بمنطقة جنوب المتوسط والشرق الاوسط منذ عام 1991عقب قمة قادة الحلف في روما إذ كانت من أهم مخرجات تلك القمة هي التوصية بإقرار صيغة استراتيجية جديدة للحلف التي جاء في سياقها أن حلف شمال الاطلسي يولي السياسة الأمنية للدول المتوسطية غير الأوروبية أهمية خاصة وأكد ان الاستقرار والسلام على الحدود الجنوبية لأوروبا مهم جدا لأمن التحالف.

كما أن المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف الذي أقره في بيان قمة واشنطن 1991 أشار إلى أن امن الحلفاء يتعرض لمخاطر مباشرة وغير مباشرة من اتجاهات جديدة تتمثل في تفجير الأزمات الإقليمية في المناطق المحيطة بالأطلسي والتي ينجم عنها (( الإرهاب ، والتخريب ، والنزاعات العرقية والدينية ، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والجريمة المنظمة ، والهجرة غير الشرعية إلى داخل دول الحلف.

وهذه المخاطر تنبع من دول الشرق الاوسط وهذه المنطقة هي من أولويات التدخل المنتظر للحلف للعب دور اوسع بوصفها من أقرب المناطق المحيطة به بالإضافة إلى الحديث عن إمكانية التدخل لاعتبارات المحافظة على قيم الديمقراطية الغربية ((ومكافحة الإرهاب الذي تجلى في ليبيا)) حيث شن الحلف 9 ألاف غارة وعشرات الالاف من الصواريخ الجوية على أهداف مدنية تشمل المناطق السكنية والمباني الحكومية ومخازن المياه ومنشئات توليد الكهرباء داخل الاراضي الليبية.

تقع هذه المنطقة السابق الإشارة إليها جنوب المتوسط والشرق الاوسط والتي تمتد من شواطئ المغرب غربا حتى العراق شرقا ومن سواحل البحر المتوسط شمالا حتى وسط افريقيا جنوبا وعليه تكون المنطقة العربية قد وقعت تحت المظلة الأمنية والسياسية والعسكرية لحلف شمال الاطلسي اي ان المنطقة العربية ضمن المجال الحيوي للحلف بحكم مصالحه وهذا ما دفع الحلف إلى إطلاق حوار مع دول المتوسط تحت مفهوم ارتباط امن أوروبا بشكل وثيق بأمن واستقرار منطقة المتوسط الامر الذي تبلور بين الطرفين عام 1994  والذي ضم كلا من الجزائر ومصر وإسرائيل والاردن وموريتانيا والمغرب وتونس

ركز الحلف في حواره مع شركائه المتوسطين على البعد الثنائي ولكنه يعمد الى لقاءات دورية متعددة الأطراف ويتعامل مع شركائه في هذا الحوار وفق القواعد نفسها حيث تتمتع الدول الشريكة بالحرية التامة في تحديد مستوى مشاركتها في اللقاءات ووضع برامج التعاون الثنائي الخاصة بها الامر الذي يشكل عنصرا هاما في نجاح الحوار واستمراره حتى الوقت الحاضر

كما يستند حوار الناتو على مبدأ اتخاذ خطوات محددة لتدعيم وإكمال جهود دولية مشتركة مثل عملية برشلونة ((الشراكة الاوروبية – المتوسطية)) المبادرة المتوسطية لمنظمة الأمن والتعاون الاوروبية .

اما بخصوص الانشطة التي تشملها هذه الشراكة وفي تفاصيل البرنامج السنوي لهذه الشراكة فهي ندوات انشطة دبلوماسية عامة ((لقاءات مع الصحافة، تعاون علمي وبيئي)) خطط طوارئ وإدارة أزمات مخططات عمل لضبط أمن الحدود ومشاورات بشأن محاربة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل وكذلك مشاورات حول إصلاح قطاع الدفاع.

اما الشق العسكري فهو يشمل التدريبات العسكرية للحلف وكذلك اتباع دورات تدريبية وتأهيلية في مختلف منشأته العسكرية المنتشرة في أوروبا والقيام بزيارات للمؤسسات العسكرية التابعة له.

كل ما سبق يبدو جيدا في إطار التعاون المشترك الذي تستفيد منه كافة الاطراف الداخلة فيها اما الجانب الاخر فهو يتجلى في ان البرنامج العسكري المعمول به بين دول الناتو ودول المتوسط السبع المشاركة في الحوار يعطي الحق لقوات الحلف التوقف في موانئ الدول المتوسطية وإجراء دورات تدريبية هناك كما يسمح لمراقبي الناتو بالقيام بزيارات لمنشئات الدول الشريكة لتقييم مدى تطور التعاون العسكري وهو الأمر الذي تحدثنا عنه سابقا حول استراتيجية الحلف والذي ضم المنطقة العربية ومنطقة الشرق الاوسط ضمن مجاله الحيوي وهو ما دفع الحلف إلى تبني مبادرات وإطلاق حوارات تخلق مبررا كافيا لتواجده في هذه المنطقة ما دفع الحلف ايضا الى إطلاق مبادرة يونيو 2004.

على ضوء ما تم عرضه من توسع وتغير في استراتيجيات الحلف ومفهومه للأمن والاستقرار العالمي يبدو ان تدخلات الناتو سوف تتسع في المستقبل في كل من المناطق المحيطة به والقريبة من مجاله الحيوي والذي يضع الشرق الاوسط والمنطقة العربية وعلى الاخص شمال افريقيا حيث هي الاقرب إلى حدوده في أولى اهتماماته كما يبدوا واضحا ايضا ان الحلف زاد في الآونة الاخيرة من التنديد من أن روسيا تقود وحدة الحلف في محاولة منه لإظهار روسيا على انها الخطر الاكبر الذي يهدد وحدة الحلف وامن أعضائه وعليه يجب على الدول الاعضاء ان يستعدوا في أتجاه فرض حصار على روسيا وجعلها حبيسة حدودها.

ايضا يسعى الحلف إلى انتشار أكبر قواعده العسكرية عن طريق توجيه دعوات رسمية إلى دول شرق أوروبا للانضمام للحلف حيث يمكنه من نشر بطاريات صواريخ وقواعد عسكرية على اراضي تلك الدول كما يمكنه من استخدام المطارات العسكرية لتلك الدول كما ينص عليه ميثاق الحلف يأتي هذا كله في محاولة لتحقيق أهداف الحلف وتعاظم دوره على الساحة الدولية وكذلك الإقليمية.

د. يوسف الفارسي – أستاذ العلوم السياسية بجامعة عمر المختار فرع درنة

مقالات ذات صلة

الإندبندنت : لهذه الأسباب فشلت زيارة السراج لعواصم أوروبية

التحديات الأمنية ومقاربة الاعتماد المتبادل في منطقة البحر الأبيض المتوسط

إندبندنت : داعش ينشط في الجنوب الليبي والهدف… استنزاف الجيش